إدارة الانتخابات وكلفتها طباعة
المجلس - دراسات وابحاث

إدارة الانتخابات وكلفتها

 

الأحزاب السياسية والمرشَّحون

يتطرَّق هذا القسم إلى القواعد القانونية المتعلّقة بتسجيل الأحزاب السياسية ونشاطها، وبتقديم طلبات الترشُّح وتمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية كما بالمشاكل المرتبطة بتطبيق هذه القواعد. ونحلِّل فيه أيضاً خطر التضارب بين بعض المبادىء المتعارضة المتعلّقة بتنظيم أمور الأحزاب السياسية والمرشَّحين، ثم نقترح على المشرّعين خيارات وحلولاً عدّة. وفي ما يخصّ المتطلّبات الإدارية المرتبطة بإدارة أمور الأحزاب السياسية والمرشَّحين، كما بالتكاليف المتعلّقة بذلك، يجيب هذا القسم عن الأسئلة التالية:
- كيف ينبغي تنظيم تمويل الحملات الانتخابية ومراقبتها؟
- كيف يمكن ضمان حياد الحكومة في أثناء الانتخابات، إضافةً إلى تكافؤ الفرص في وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الحكومة؟
- ما هي حسنات وسيّئات الشرع المسلكية الموضوعة للأحزاب السياسية ووسائل الإعلام؟

الأحزاب السياسية والمرشَّحون
تؤدي الأحزاب السياسية بلا شك دوراً رئيسياً في الانتخابات والديمقراطيات الحديثة. لذا، من المهمّ جداً تنظيم أمور الأحزاب والمرشَّحين، نظراً إلى أنه غالباً - وإن لم يكن دائماً - ما يكون هؤلاء معيَّنين من قِبل الأحزاب. يتناول هذا القسم الأنظمة المتعلّقة بتسجيل الأحزاب السياسية ونشاطها، وطلبات الترشُّح وتمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية كما بالمشاكل المرتبطة بتطبيق هذه الأنظمة.

المبادىء الرئيسية
يخضع تنظيم أمور الأحزاب السياسية والمرشَّحين للمبادىء الأساسية التالية:
- تكافؤ الفرص: يجب أن تعامَل الأحزاب السياسية والمرشَّحون بطريقة عادلة.
- حرية التعبير: يجب أن يكون المواطنون والسياسيون أحراراً في التعبير عن آرائهم.
- اتّقاء التزوير والممارسات غير المشروعة: فالممارسات غير المشروعة والرشوة تنسف السيرورة الديمقراطية وينبغي اتّقاؤها.
- المشاركة في الحياة السياسية: ينبغي تشجيع جميع المواطنين على المشاركة في الحياة السياسية، أو أن يكون لهم، على أيّ حال، حقّ المشاركة فيها، سواء قرّروا ممارسة هذا الحقّ أو عدم ممارسته.
- الديمقراطية داخل الأحزاب: يجب أن تمارس الأحزاب السياسية أنشطتها بصورة ديمقراطية، وأن تمنح أعضاءها صلاحيات عادلة بالنسبة إلى القادة.
- الشفافيَّة: يجب أن تكون ماليّة الأحزاب السياسية والمرشَّحين، وكذلك سائر أنشطة الأحزاب علنيةً، وإلاّ لاح خطر تشجيع الممارسات غير المشروعة.
- تحمّل المسؤولية: ثمة ما يدعو إلى ااعتماد طريقة تتيح التحقّق مما إذا كانت الأحزاب والمرشَّحون يتقيّدون بالأصول التي ترعى تنظيم الأحزاب والانتخابات.
- الروادع والمكابح: على النظام السياسي أن يشجّع التعدّدية داخله بحيث يحضّ الأحزاب على فضح التجاوزات التي يرتكبها حزب منافس أو يحضّ الصحافة على مراقبة السياسيّين.

تحتلّ هذه المبادىء تفسيرات عدة، وقد تكون متعارضة حتى. فعلى سبيل المثال، هل تعني كلمة "عدالة" أنه ينبغي تخصيص مدة بثّ متساوية لجميع الأحزاب، دون أن تؤخَذ في الحسبان أهمية كل منها؟ هل من "العدل" أن تُمنح الأحزاب الجديدة مدة بثّ أطول، لكونها تحتاج إلى وقت أكبر من ذاك الذي تحتاج إليه الأحزاب القائمة لإطلاع الرأي العام على سياساتها؟ أم أنه ينبغي منح وقت أطول للأحزاب التي حصدت أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات السابقة؟ يحدث أحياناً أن يتعارض مبدآن فيما بينهما، كالعدالة وحريَّة التعبير مثلاً، فالمقصود بحريَّة التعبير حرية تنظيم اجتماعات علنيّة، وإلقاء الخطب، وتوزيع المنشورات والدعاية. والحال أن هذه التظاهرات تولّد نفقات، الأمر الذي يعني أن الأحزاب والمرشَّحين الأوفر مالاً هم الذين سينجحون في الوصول إلى الناخبين بفاعلية أكبر. وعليه، يمكن التأكيد أن المرشَّحين الأغنى يتمتّعون بتفوّق جائر.

ولإزالة هذا الجور أو الحدّ منه، اعتمدت معظم البلدان نظاماً يرمي إلى تقليص دور المال في الانتخابات. ففرض بعضها سقفاً للمساهمات الشخصية (تلك هي بخاصة حال الولايات المتحدة بالنسبة إلى الانتخابات للمناصب الفدرالية)؛ وقد فرضت فرنسا وكندا سقفاً للنفقات التي يمكن أن يصرفها حزب أو مرشَّح. إنَّ هذه الحدود التي تخضع لها المساهمات المالية ونفقات الأحزاب والمرشحين تهدف إلى منح جميع المشاركين فرصاً متساوية. ولكن، ينتج منها تقييد حرية التعبير. لذا، يتعيَّن على المشرّعين أن ينجحوا في الموازنة بين هذين المبدأين المشروعين، إنما المتناقضين.

تسجيل الأحزاب والمرشَّحين
في إطار تطبيق النظام في شأن تسجيل الأحزاب والمرشَّحين، ينبغي على الأجهزة الانتخابية أن تضطلع بالمسؤوليات التالية:
- وضع الشروط المتعلّقة بتسجيل الأحزاب والمرشَّحين.
- إعداد طرائق هادفة إلى منع طلبات الترشُّح العابثة (توقيعات وكفالات).
- وضع التدابير أو الشروط الرامية إلى حثّ الأحزاب السياسية على ترشيح عدد أدنى من النساء لمناصب عامة.
- تحديد ما إذا كان يجوز لمجرمين الترشّح لمناصب عامة.

الأنظمة والإعانات المتعلّقة بالتمويل السياسي
ثمة عمل آخر مهم تقوم به الأجهزة الانتخابية، وهو تحديد الأنظمة والإعانات التي تطبَّق على تمويل الأحزاب السياسية والمرشَّحين والحملات الانتخابية. ويمكن أن تتضمَّن هذه المهمَّة العناصر التالية:
- حدود النفقات: الحدود الممكن تطبيقها على المرشَّحين فقط، أو أيضاً على الحملات المنظَّمة من قِبل الأحزاب الوطنية.
- حدود المساهمات: القيود على المبالغ المالية التي يمكن أن يدفعها أفراد أو شركات لحزب أو مرشَّح.
- النظام المتعلّق بالإفصاح: ويستهدف هذا النظام عادةً المساهمات التي تتجاوز عتبة محدّدة سلفاً.
- منع بعض المساهمات: حظر المساهمات الآتية مثلاً من شركات، ونقابات، ومموّني الحكومة، ومن واهبين مُغفلين أو مقيمين أجانب.
- منع بعض النفقات: مثل منع الأحزاب والمرشَّحين من شراء مدة بثّ على محطات التلفزيون أو الإذاعة ومنع شراء الأصوات.
- الإعانات الحكومية المباشرة: إعانات تُستخدم فقط لتغطية النفقات الانتخابية أو النفقات الجارية لمنظمات حزبية.
- الإعانات الحكومية غير المباشرة: مثلاً، الإعانات المدفوعة لصحف حزبية؛ تخصيص أوقات بثّ مجانية؛ الإعانات المدفوعة لكتل حزبية داخل السلطة التشريعية؛ الإعانات المدفوعة لمؤسسات حزبية؛ خفض الضرائب؛ تسليفات ضريبية وإعانات مقابلة؛ رسوم مجباة من قِبل الأحزاب (نسبة ثابتة من الدخل يُلزَم النواب أو غيرهم من أصحاب المناصب العامة بدفعها إلى أحزابهم).

صعوبات تطبيق الأنظمة
حتى حين تسعى الأنظمة إلى هدف واضح وبسيط، فليس من السهل دائماً تحقيق هذا الهدف بواسطة التشريع. فحيَل التملّص والممارسات غير المشروعة هما عقبتان مهمَّتان.

حين يفرض القانون حدوداً للنفقات الدعائية لحزب أو مرشَّح، فلا بدّ من أن يحدَّد حينئذٍ بوضوح ما هو المقصود بـ "النفقات الدعائية"، وأن يُقام تمييز واضح بين العناصر المحسوبة كنفقات دعائية وتلك التي لا تُحسب كذلك. فالأحزاب السياسية والمرشَّحون والواهبون ينجحون أحياناً في التملُّص من موجبات القانون بالإفادة من الفراغات التشريعية. على سبيل المثال، يمكنهم تمرير بعض المساهمات كخدمات تجارية وإنشاء "مؤسسات حزبية" -كيانات مستقلَّة رسمياً عن المؤسسة الأم، لكنها في الحقيقة مرتبطة بها.

يحدث أحياناً أن بعض الواهبين لا يكترثون حتى لطرائق التملّص من القانون. فانطلاقاً من ثقتهم بالإفلات من أية ملاحقة، يقدّمون هبات غير مشروعة إلى سياسيّين، وهؤلاء يقبلونها. في بعض الحالات القصوى، اشتُبه بضلوع بعض السياسيّين مع منظمات إجراميّة. ودور المال الآتي من تجارة المخدرات وسط الطبقة السياسية في كولومبيا هو مثل واضح على ذلك. وثمة فضائح أخرى عن تمويل سياسي غير شريف أُثيرت في بلجيكا (قضية كلاس) والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا (قضية فليك)، والهند، وإيطاليا، واليابان، واسبانيا والولايات المتحدة.

موضوعات أخرى مطروقة
يتناول هذا القسم أيضاً الموضوعات التالية:
- تكوين الأحزاب السياسية والانتخابات.
- دور الأحزاب السياسية.
- الانهيار الواضح للأحزاب السياسية.
- المصادر الأساسية لتمويل الأحزاب والمرشَّحين.
- انتشار التمويل الحكومي للأحزاب السياسية والانتخابات، وحسنات التمويل الحكومي وسيّئاته.
- المشاكل الناجمة عن استخدام الأموال الحكومية والموارد العامة لتمويل حملات الأحزاب.
- المشاكل العملية المرتبطة بتخصيص أوقات بثّ مجانية أو مدعومة مالياً للأحزاب والمرشَّحين.
- الطرائق المختلفة لتنظيم أمور الأحزاب والمرشَّحين، مثل "النموذج القضائي" أو "النموذج البيروقراطي".
- دور الأحزاب السياسية في تنظيم وإدارة الانتخابات (من جهة، يبدو أن كون الأحزاب هي المعني الأساسي بالانتخابات من شأنه استبعادها عن المشاركة في إدارتها. ومن جهة أخرى، تستطيع الأحزاب الاضطلاع ببعض المهام كتثقيف الناخبين ومراقبة مكاتب الاقتراع. إنَّ مشاركة الأحزاب في السيرورة الانتخابية ممكنة التبرير إلى حدّ كبير).
- صوابيَّة الشرع المسلكية الموضوعة للأحزاب السياسية.
- تطبيق القوانين المتعلّقة بالأحزاب والمرشَّحين وبتمويل الأحزاب السياسية؛ ما هي العقوبات التي ينبغي فرضها؟ وما الفائدة من فرض عقوبات قاسية (السجن أو فقدان حقّ المشاركة في الانتخابات) وعقوبات أكثر تساهلاً، كالغرامات مثلاً؟

الاعتبارات المالية والإدارية
بين القرارات والقواعد المتعلّقة بالانتخابات، لا شك في أن تلك التي تخصّ الأحزاب والمرشَّحين هي الأكثر اتّساماً بالطابع السياسي. وإنَّ الرغبة في تأمين تكافؤ الفرص لجميع المشاركين تحفّز على التمويل من الخزينة العامة. بيد أن ضرورة اتّقاء الممارسات غير المشروعة للأحزاب السياسية يمكن أن تدفع الحكومة إلى فرض تدابير صارمة للإفصاح عن النفقات أو المساهمات أو لتحديد سقف لها.

إنَّ هذه التدابير السليمة القصد تفرض عبئاً مالياً وإدارياً ثقيلاً؛ وإذا كانت الموارد غير كافية، فقد تأتي النتيجة نقيض الهدف المقصود. في بعض البلدان، يمثّل تمويل الأحزاب السياسية أكبر إنفاق مرتبط بالانتخابات. وإنَّ تنفيذ الأنظمة المتعلّقة بالتمويل ومراقبة تطبيقها ينطويان على عبء إداري ثقيل.

الإطار التشريعي

يتناول هذا القسم القوانين والأنظمة الإدارية التي هي أساسية لكل انتخابات حرة وعادلة. وفيه تحلَّل أهم الخيارات المفيدة لإجراء عملية انتخابية ديمقراطية، والأدوات القانونية الصالحة لوضع الأنظمة الانتخابية والنقاط التي ينبغي أن تشملها هذه الأنظمة.
ففي هذا القسم، نجد أجوبة عن الأسئلة التالية:
- ما هي العوامل التي ينبغي أخذها في الحسبان عند وضع أو تعديل القواعد التي تنظّم العملية الانتخابية؟
- ما هي عناصر العملية الانتخابية التي ينبغي أن يتناولها التشريع؟
- ما هي الخصائص الأساسيَّة للإصلاح الانتخابي؟
إن الإطار التشريعي يحدّد ليس النظام السياسي فقط (برلماني، رئاسي أو غيره)، ونمط الحكم (ملَكي، جمهوري أو غيره) والبنية الإقليمية (فدرالية أو اتحادية)، بل يحدّد أيضاً الطريقة التي تجري بها الانتخابات والجهة المسؤولة عنها والموارد المتاحة لها. فعدالة الانتخاب وفاعليته تتوقَّفان، إلى حدّ كبير، على ملاءمة هذا الإطار التشريعي الواسع.

المبادىء الرئيسية
لكي يكون النظام الانتخابي حرّاً وعادلاً، ينبغي أن تتوافر فيه الشروط التالية:
- يجب أن يتمتَّع جميع المواطنين بحقّ الاقتراع والمشاركة في الشؤون العامة (الترشّح لمنصب عام... إلخ).
- يجب أن تجري الانتخابات بصورة دورية.
- يجب أن تجري الانتخابات ضمن احترام الحقوق الأساسية للمواطنين.
- يجب أن تضمن اجراءات الاقتراع حريّة الاختيار، سريّة التصويت، وصحة فرز البطاقات.
- يجب أن تمارس مراقبة العمليات الانتخابية هيئة انتخابية مستقلة عن بقيّة سلطات الدولة.

النصوص القانونية التي تحكم تنظيم الانتخابات
تتألف القواعد التي تحكم تنظيم الانتخابات واجراءها من مجموعة واسعة من النصوص يمكن تصنيفها على أربع درجات، بحسب الترتيب التالي:
- القواعد الدستورية.
- قوانين الانتخاب.
- الأنظمة الإدارية التي هي على درجة أدنى من القوانين (يمكن أن تصدر عن الإدارة العامة للدولة أو عن هيئات خاصة مكلّفة إدارة الانتخابات).
- الشرعة المسلكيَّة (الضمنيَّة أو العلنيَّة).

تكوّن هذه الدرجات الأربع الإطار التشريعي المعقَّد الذي يحكم إجراء انتخابات ديمقراطية. ومن المهم أن توضع كل قاعدة في الدرجة المناسبة: فتنظيم الانتخابات وإدارتها يتطلّبان قواعد تراوح بين القوانين الأساسيّة المحدِّدة لحقّ الاقتراع والشرعة المسلكية، الضمنيَّة أو العلنيَّة، التي تحكم العلاقات بين المرشحين المتنافسين. بالطبع، إن الدرجات الأربع مترابطة فيما بينها، بحيث إن الأنظمة التي لا تغطيها درجة معيَّنة، تغطيها درجة أخرى، هي حتماً تلك الأدنى أو الأعلى منها مباشرةً. وعلى المشرَّعين في كل بلد أن يختاروا الأدوات القانونية الأنسب لتنظيم الأنشطة الانتخابية.

يجب أن يكون تنظيم الأنشطة الانتخابية موضع توافق واسع من حيث المحتوى. كما يجب أن يضمن استمرارية عناصره الأساسية، مثل تحديد بنية النظام الانتخابي ومجمل القواعد الضامنة لحقّ الاقتراع. ولكن، ليس من الجائز أو المناسب إرساء تنظيمات انتخابية، بصورة حصرية، على قانون يصعب تعديله. فالتجربة العملية أكّدت ضرورة الحفاظ على هامش مناورة يتيح تعديل التنظيمات وتفسيرها، إما بتنظيم إداري أو بقرار من السلطة المسؤولة عن الانتخابات.

استراتيجيات وضع أو تعديل التنظيمات الانتخابية
يجب أن تكون التنظيمات الانتخابية على الدوام موضع توافق سياسي، وخصوصاً في المراحل الانتقالية. فمن الصعب جداً تحديد الاستراتيجية الأنسب لبلد ينتقل من مجموعة تنظيمات انتخابية إلى مجموعة أخرى. لذا، ينبغي إيجاد حدّ وسط بين استراتيجية قصوى تسعى للحصول على توافق عريض دون الاهتمام بالمهلة اللازمة، وبين استراتيجية دنيا تحصر التغييرات في التنظيمات الضرورية تماماً لإجراء انتخابات تنافسيَّة.

وتثبت التجربة العملية أن هاتين الإستراتيجيتين تنطويان كلتاهما على سيّئات كبيرة. أما الحلّ الأمثل فيقضي بإيثار استراتيجية ثالثة تجمع حسنات الاثنتين الأوليين. وبموجب هذه الاستراتيجية التوليفيَّة، تعدّ الحكومة مجموعة تنظيمات موقتة بحيث ترعى هذه الأخيرة أول انتخابات فقط وتفوّض إلى البرلمان المقبل مهمة سنّ قانون انتخابي جديد. لقد اختارت بوروندي وبعض ديمقراطيات أوروبا الجنوبية هذه الاستراتيجية. وحالة اسبانيا مثيرة للاهتمام بوجه خاص: فأهم عناصر التنظيمات الانتقالية (التي أقرّتها الحكومة في آذار/مارس 1977 لانتخاب أول برلمان ديمقراطي بعد وفاة الدكتاتور فرانكو) أُدخلت حرفياً في القانون الأساسي الجديد الأكثر ديمومةً.

على العموم، قبل وضع تنظيمات انتخابية جديدة، يتعيَّن على القوى السياسية أن تحترم بعض المعايير العامة المتَّفق عليها سلفاً. وبصورة خاصة، عليها أن تتفاهم على أهداف الإصلاح، وعلى الروزنامة التقريبية والاجراءات العملية الرامية إلى تسهيل تنفيذ المهمات التقنية وضمان الشفافية. فمع أن الاصلاحات التي قامت بها تنـزانيا والمغرب طُبِّقت تدريجاً بطريقة صائبة، فهي تعرَّضت لانتقادات حادة بسبب عدم دقتها وافتقارها إلى أهداف محدّدة وروزنامة واضحة، لا بل، في حالة الاصلاح المغربي، بسبب غياب أيّ تنظيم من شأنه التدليل على التقدّم في المسار الانتقالي.

أهم المقوّمات العملية الانتخابية
ينبغي أن يشمل الإطار التشريعي المنظِّم للانتخابات أهم مقوِّمات العملية الانتخابية، ولا سيّما نوع النظام الانتخابي، وحقّ الاقتراع، وسجلّ الناخبين، والقواعد المنظِّمة للأحزاب والمرشَّحين والحملات والعمليات الانتخابية.
- نوع النظام الانتخابي: يمكن تعريف النظام الانتخابي كمجموعة أحكام تنظيمية لها تأثير مباشر في تحويل الأصوات إلى مقاعد؛ بتعبير آخر، يمكن أن تولّد هذه الأحكام نتائج مختلفة، على صعيد التمثيل، انطلاقاً من عدد الأصوات نفسه. وعليه، فإنَّ قرارات المشرّعين فيما يخصّ نوع النظام الانتخابي هي قرارات أساسية.
- حقّ الاقتراع المضمون: يجب أن يكون حقّ الاقتراع عاماً، بحيث يتمّ تدارك كلّ حالة متعذِّرة التبرير من حالات التمييز أو حرمان حقّ الاقتراع. وهذا يعني أن أيّ سحب لحقّ الاقتراع لا يمكن أن يُبنى على أحكام مسبّقة، وأن أسباب السحب المقبولة يجب أن تعلَّل بطريقة حصرية، وأنها يجب أن تسعى، في جميع الأحوال، للحفاظ على حرية وعدالة التعبير عن الإرادة الجماعيَّة.
- وضع سجلّ للناخبين: إنّ مسك سجلّ بأسماء الناخبين هو عنصر حاسم في الممارسة الكاملة لحقّ الاقتراع. فالسجلّ يحدّد مَن يحقّ له التصويت في انتخاب ما. لذا، من المهم جداً أن يُعاد النظر باستمرار في المعطيات التي يحتويها، وأن يتمّ التأكّد من أن القيود الجديدة والشطوب مثبتة فيه، وأن يجري تدارك القيود المزدوجة. ثم إن إعلان المعطيات التي يتضمّنها السجلّ أمر إلزامي من أجل ضمان حق الاقتراع للجميع وتأمين شفافيَّة العملية وعدالتها.
- الأنظمة الخاصة بالأحزاب السياسية والحملات وإدارة الانتخابات: إن إجراء الانتخابات يستلزم اتّخاذ قرارات عدة: في أيّ وقت ينبغي إطلاق الانتخابات، كيف ومتى تُعلن النتائج، مَن يستطيع أن يترشَّح، مَن يستطيع تقديم مرشحين وبأية شروط، ما هي الأنشطة المقبولة في أثناء حملة انتخابية لالتماس أصوات الناخبين، أيّ نوع من المساعدة الرسمية والخاصة يمكن أن يتلقّاها المرشحون والأحزاب، وكيف يجب أن تتمّ عمليات الاقتراع؟
- التنظيم المتعلّق بالأحزاب والمرشحين والحملات الانتخابية: قبل إطلاق أيّ انتخابات، يتوجَّب على الأشخاص الراغبين في تقديم ترشيحاتهم إبلاغ المسؤولين بذلك. وبعد التحقّق مما إذا كان هؤلاء الأشخاص مستوفين الشروط المطلوبة، يعلن المسؤولون أسماء المرشحين الذين سيلتمسون أصوات الناخبين. أحياناً، يجب أن تتوافر في المرشحين والأحزاب شروط إضافية ليستحقوا بعض أشكال المساعدة الرسمية (تمويل الحملة، اعلانات في وسائل الإعلام، استخدام أماكن أو منشآت عامة...إلخ). والغاية من فرض هذه الشروط هي التحقّق من جدّية أهداف المرشح والحؤول دون تكاثر المرشحين الذين يفتقرون إلى تنظيم انتخابي أساسي.

على الرغم من تعدّد الإمكانات المتاحة، فإنَّ الأحزاب السياسية هي التي تقترح وتقرّ الترشيحات عموماً. فدور الأحزاب في العملية الانتخابية مهم: إنها تساعد على التمثيل العادل للهيئة الناخبة وعلى تكوين أكثرية متمتّعة بدعم انتخابي على جانب من القوة لتأليف حكومة مستقرَّة ومستديمة. وما يمكّنها من الاضطلاع بهذا الدور هو قدرتها على تجميع مرشّحين وهيكليَّات سياسية في إطار أوسع من الدائرة الانتخابية. إنّ مجتمعاً حسن التنظيم نسبياً، منفتحاً وديمقراطياً، يمكنه قوننة نظام الأحزاب السياسية، شرط ألاّ يعيقه.

الأدوات التشريعيَّة
ينقسم التشريع الذي يحكم تنظيم وإدارة الانتخابات إلى أربع درجات بحسب الترتيب التالي:
- القواعد الدستورية
- قوانين الانتخاب
- الأنظمة الإدارية
- الشرعة المسلكيَّة (الضمنيَّة أو العلنيَّة)

يمكن أن تبدأ الحملة الانتخابية منذ الاعلان الرسمي عن الترشيحات وتكوين التحالفات بين الأحزاب والمرشحين. فالحملة الانتخابية هي، على الصعيد القانوني، مجموع الأنشطة المشروعة التي تمارس للفوز في الانتخاب. وغالباً ما تكون هذه الأنشطة مموَّلة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وجزئياً على الأقل، بواسطة أموال عامة. على أنه يجب أن تحكمها اجراءات ومسلكيَّات رامية إلى ضمان المساواة بين المرشحين ونزاهة العملية وحياد السلطات العامة.

تنظيم عمليات الاقتراع
إنَّ تنظيم الانتخابات عمل معقّد جداً. وينبغي على مديري الانتخابات التأكّد من أن جميع المواطنين يتمتّعون بالتسهيلات التي تتيح لهم الاقتراع في الموعد المحدّد، وأنهم يفهمون التدابير المرعيَّة الإجراء ويدلون بأصواتهم بكل حريَّة. من أجل ذلك، يتعيَّن على المنظّمين أن يضعوا خريطة انتخابية، ويحدّدوا أماكن مكاتب الاقتراع، ويعيّنوا العاملين في هذه المكاتب، وينظّموا عمليات التصويت والفرز، ويزوّدوا جميع العاملين تعليمات واضحة ودقيقة. إضافةً إلى ذلك، عليهم أن يتّخذوا احتياطات حمائية تداركاً لكل ما من شأنه تشويش عملية الاقتراع.

لدى انتهاء التصويت، عليهم أن يجمّعوا النتائج وينقلوها إلى المكتب المركزي لكل دائرة، أو حتى إلى المكتب المركزي العام للبلد بأسره. ويقوم هذا المكتب بحساب النتيجة الاجمالية قبل إعلانها رسمياً. وهذا ما يُسمَّى تجميع الأصوات أو، بتعبير قانوني، التدقيق العام في النتائج.

تكوين هيئة انتخابية
إنَّ بنية الهيئة الانتخابية هي أحد مقوّمات العملية الانتخابية، التي تتوافر في شأنها أوسع مجموعة من الخيارات. فعلى العموم، كلما ازداد التشكيك في مؤسسات البلد العادية، وجب أن تكون الهيئة الانتخابية قوية ومستقلّة، ما عدا في الدول الاتحادية المجتمعة ديمقراطياً. وعليه، يمكننا أن نضع "سلَّماً من التشكيك"، إذ غالباً ما تؤدّي درجة التشكيك القصوى إلى قيام "سلطة رابعة" على غرار المحاكم الانتخابية النموذجية في أميركا الوسطى. من جهة أخرى، تولّد درجة التشكيك الدنيا نموذجاً يتّصف باستمرار الإدارة والسلطة القضائية في العمل بصورة طبيعية في أثناء الانتخابات (مثلاً: في ألمانيا).

يبدو أن الحلّ الأكثر رواجاً في البلدان الحديثة في الديمقراطية هو إنشاء لجنة انتخابية تحلّ محلّ الإدارة الحكومية، لكنها تدع السلطة التشريعية أو المحكمة الدستورية تمارس صلاحيّتها في المسائل الانتخابية. ويحول هذا الحلّ دون قيام سلطة رابعة، كما هو شأن المحاكم الانتخابية في أميركا الوسطى.

حلّ النـزاعات في العملية الانتخابية
في كل مرحلة من مراحل العملية الانتخابية، يمكن أن تكون القرارات المتّخذة من قِبل مديري الانتخابات مبعث نـزاعات أو شكاوى. حينئذٍ، يمكن أن تتدخَّل ثلاثة أنواع من الهيئات:
- الهيئة الانتخابية (سواء بصفة تنظيم إداري بحت أو كمحكمة).
- المحاكم العادية.
- الهيئات المكلَّفة مراقبة دستورية العملية.
ولكي تكون الهيئة المعنيَّة فعَّالة، يجب أن تكون مستقلَّة وأن يعترف باستقلاليتها جميع المعنيّين بالشكوى. إن هذا الشرط أساسي إذا اردنا أن تكون القرارات المُصدَرة مقبولة من جميع الأطراف.

الاعتبارات المالية والإدارية
لكي يكون النظام الانتخابي فعَّالاً، عليه أن يُعنى بالجانب المالي للعمليات الانتخابية. فالهدف الأول للانتخاب يبقى تأليف حكومة شرعية واحترام الحرية، وخصوصاً في أثناء المراحل الانتقالية. ففي الواقع، ما دامت هذه القضية الجوهرية من دون حلّ، سيكون متعذّراً حلّ مشاكل البلاد الأخرى، الاجتماعية والسياسية. مع ذلك، لا يسع أيّ بلد أن يجيز لنفسه الحفاظ على بنية انتخابية حين تتجاوز كلفتها امكاناته (وكم بالأحرى إذا كان يواجه مشكلة خطيرة على صعيد اختلال التوازن الاجتماعي!).

بناءً عليه، يكون التعاون الدولي أكثر فاعلية حين يروم مساعدة البلد المضيف على إنشاء منظمات انتخابية مستقلَّة مالياً، وعلى تجنّب البنى المكلفة التي تغذّي التبعية حيال الدعم المالي والدولي. فإحدى الخصائص الأساسية لكل نظام ديمقراطي هي قدرته على إدارة انتخاب بفاعلية. لذا، يجب أن يلحظ الإطار التشريعي بنية انتخابية متينة من ناحيتي التنظيم والتمويل، لا أن يخلق جزيرة مفرطة التجهيز على حساب المجتمع الدولي.

كيف سيتم تمويل الانتخابات الرئاسية الأميركية العام 2008 ؟ 

الترشح في الانتخابات لإشغال منصب فدرالي في الولايات المتحدة يتطلب من المرشحين تأمين مبالغ هائلة من المال لتمويل حملاتهم، كما أن حكومة الولايات المتحدة تفرض أنظمة متشددة على عمليات جمع وإنفاق هذه الأموال. ويبين قانون الانتخابات الأمريكية القيود القانونية المفروضة على تبرعات الأفراد والمؤسسات للحملات انتخابية، وكيف تحدد الحملات نفقاتها، والتمويل الخاص والعام للانتخابات الرئاسية.

إن مناصب الرئيس، والسناتور، والنائب هي مناصب فدرالية.حيث يشكلون الأعضاء المنتخبين لكل من البيت الأبيض، ومجلس الشيوخ الأميركي، ومجلس النواب الأميركي في واشنطن، العاصمة. وينظم القانون الفدرالي الحملات الانتخابية لإشغال هذه المراكز كما يفرض كيفية جمع الأموال للحملات، ومن أية مصادر، وبأية مبالغ. فالقوانين الفدرالية لتمويل الحملات الانتخابية منفصلة عن قوانين الولايات التي تنظم الانتخابات لإشغال المناصب في أنظمة الحكم المحلي والولايات، مثل حاكم الولاية، ورئيس البلدية، أو العضو في المجلس التشريعي للولاية. لذا يكون على المرشح لأي منصب فدرالي الالتزام بالقوانين الفدرالية المعقدة والمقيدة إلى حدٍ ما. ويكون على المرشحين لرئاسة البلاد جمع مئات الملايين من الدولارات للإنفاق على حملات موجهة إلى بلد يزيد عدد الناخبين فيه عن مئة مليون. أمّا الطريقة التي يتبعها المرشحون في جمع الأموال وفي إنفاقها فتكون منظمة بدرجة عالية.

تنظيم الحملة

يجب أن يُعيّن المرشح لرئاسة البلاد مؤسسة لإدارة حملته الانتخابية تعرف باسم اللجنة السياسية. ويُفرض أن يكون لهذه اللجنة السياسية أمين صندوق وان تتسجل لدى وكالة الانتخابات الفدرالية (FEC). بغض النظر عن اسمها، تشرف هذه الوكالة فقط على قوانين تمويل الحملات الانتخابية وتفرض تطبيقها، وهي لا تُجري الانتخابات نفسها في واقع الأمر. ففي الولايات المتحدة، تقع مسؤولية تسجيل الناخبين، وإجراء عملية التصويت، وتعداد الأصوات على عاتق الولايات والمسؤولين المحليين عن الانتخابات. وهناك أنواع مختلفة من اللجان السياسية التي يتم تسجيلها لدى وكالة الانتخابات الفدرالية. ويفرض على الأحزاب السياسية، بالإضافة إلى تسجيل مرشحيها، أن تسجل أيضاً لجانها الخاصة لدى الوكالة. ويحق لأي مجموعة من المواطنين تسجيل لجنة سياسية، بما في ذلك أفراد من الشركات المساهمة، أو الاتحادات العمالية، أو الجمعيات المهنية وفي أحيان كثيرة يشار إلى هذه اللجان السياسية على أنها لجان العمل السياسي (PACs) ويتوجب تسجيلها أيضاً لدى وكالة الانتخابات الفدرالية.ويحق للجان العمل السياسي، بعد تسجيلها، أن تباشر بجمع الأموال للحملة الانتخابية ويجب التصريح عن كافة هذه الأموال والنفقات في تقارير تسجل لدى وكالة الانتخابات الفدرالية على أساس ربع سنوي أو شهري. تحفظ هذه التقارير إلكترونياً وتتوفر لاطلاع عامة الناس عليها على موقع الإنترنت الخاص بالوكالة المذكورة. وهناك أيضاً مؤسسات خاصة عديدة تنشئ مواقعاً لها على الإنترنت لرصد التبرعات والنفقات المتعلقة بالمرشحين، والأحزاب السياسية، ولجان العمل السياسي.

المصادر المشروعة للتبرعات

يجب أن تأتي كافة التبرعات إلى المرشحين الفدراليين أو اللجان السياسية إمّا من أفراد أو لجان مسجلة لدى وكالة الانتخابات الفدرالية. ويُمنع تلقي تبرعات مباشرة من شركات مساهمة أو اتحادات عمالية، رغم انه يحق لهذه الهيئات أن ترعى لجان عمل سياسية تقوم بجمع التبرعات من الأفراد. كما أن التبرعات النقدية التي تتجاوز مبلغ مئة دولار المدفوعة إلى لجان العمل السياسي تعتبر غير قانونية، كما هي التبرعات ممن يعتبرون "رعايا أجانب"، أي غير المواطنين الأميركيين الذين لم تتم الموافقة على إقامتهم في الولايات المتحدة على أساس دائم. إلاّ أنه من الجائز للمواطنين الأجانب الذين تمّ قبولهم للإقامة الدائمة في الولايات المتحدة أن يتبرعوا رغم انه لا يحق لهم التصويت في الانتخابات.

تحديد حجم التبرعات

يخضع المبلغ الذي يجوز لفرد أو لجنة سياسية التبرع به إلى تحديدات متنوعة. فعلى سبيل المثال، لا يحق لفرد واحد ان يتبرع بأكثر من 2300 دولار لحملة أي مرشح واحد. يُحتسب هذا الحد على أساس "كل انتخاب" بمفرده. فاستناداً إلى ذلك، يحق للفرد ان يتبرع بمبلغ أقصى قدره 2300 دولار لحملة انتخابات تمهيدية لمرشح ما، وأيضاً بمبلغ مماثل قدره 2300 كحد أقصى إلى حملة الانتخابات العامة لنفس المرشح. يعتبر الزوج والزوجة كفردين منفصلين ولذلك يجوز لهما ان يتبرعا بصورة مجتمعة بضعف هذا المبلغ، أي 4600 دولار لكل حملة انتخابية.بالإضافة إلى الحدود المفروضة على المبلغ الذي يجوز التبرع به إلى المرشحين (والى أنواع اخرى من اللجان)، يخضع أيضاً الأفراد إلى حد "إجمالي" لمجموع التبرعات المسموح بها. فلا يحق لأي فرد ان يتبرع بأكثر من 108,200 دولاراً إلى كافة المرشحين الفدراليين ولجان العمل السياسي خلال دورة انتخابية واحدة تتم كل سنتين. (تعدل هذه الحدود كل سنتين استناداً إلى ارتفاع معدل التضخم، الأمر الذي يفسر المبالغ غير الاعتيادية للأموال المتبرع بها). وتخضع لجان العمل السياسي إلى حد قيمته خمسة آلاف دولار لكل حملة انتخابية لأي مرشح. كما يتم تحديد المبالغ الممكن التبرع بها للأحزاب السياسية، لكنها تبقى أعلى من الحد المفروض على التبرعات للجان العمل السياسي لأي مرشح فردي. لذا يتوجب على المرشح لمنصب رئيس البلاد الذي يطمح في جمع 23 مليون دولار مثلاً، وهو مبلغ متواضع نسبياً لتمويل حملة انتخابية رئاسية، ان يحقق ذلك من خلال اجتذاب أعداد من المتبرعين الفرديين الذين لا يجوز لهم ان يتبرعوا بأكثر من 2300 دولار، وربما أيضاً من لجان العمل السياسي التي لا يحق لها بأن تتبرع بأكثر من خمسة آلاف دولار. ومن أجل جمع 23 مليون دولار، فقد يحتاج مثل هذا المرشح إلى ألف شخص يتبرع كل واحد منهم بالمبلغ الأقصى. لكن الأكثر احتمالاً هو أن يحاول المرشح إيجاد عدة آلاف من المتبرعين يتبرع معظمهم بمبلغ يقل عن الحد الأقصى القانوني.

نفقات الحملة

يتوجب على المرشح لمنصب رئيس البلاد أن يوظف هيئة موظفين، وينظم مكاتب، ويتخذ الترتيبات اللازمة للسفر، ويجري أبحاثاً، ويصدر أوراقاً تعبر عن مواقفه السياسية، وأن يُعلن عبر الإذاعة والتلفزيون والمنشورات كما على الإنترنت عن سياسته، وان يظهر في مناسبات عامة عديدة، وان يشرف على أحداث لجمع التبرعات. يقوم المرشحون لمجلس النواب. بهذه النشاطات ضمن دائرتهم المحددة لانتخابات الكونغرس، بينما يقوم بمثل هذه النشاطات المرشحون لمجلس الشيوخ في دائرتهم الانتخابية الأوسع التي تشمل الولاية بأكملها.كما يتوجب على المرشحين لرئاسة البلاد القيام بالمهمة المثبطة للعزائم المتمثلة بتنظيم حملاتهم في كل ولاية من الولايات على حدة، ومن ثم عبر كامل البلاد في حال تمت تسميتهم كمرشحين للرئاسة. الخطة الأولية لأي حملة رئاسية، أي الفوز بترشيح الحزب، سوف تركز على أولى الولايات التي تجري فيها انتخابات أولية. وسيحاول المرشحون تنظيم حملاتهم في ولايات أيووا، ونيوهامشاير، وساوث كارولينا، ونيفادا، وفلوريدا التي تعقد جميعها اجتماعات حزبية مغلقة أو تجري انتخابات أولية خلال كانون الثاني/يناير 2008. حيث سابقاً كانت ولايات اخرى تُجري انتخابات أولية خلال دورات متتالية كانت تدوم حتى حزيران/يونيو. لكن في العام 2008، سوف تُجري غالبية الولايات، من ضمنها ولايات كبيرة مثل كاليفورنيا، ونيويورك، وتكساس، انتخاباتها الأولية في 5 شباط/فبراير. هذا البرنامج القصير جداً يفرض متطلبات هائلة على الحملات الرئاسية لجمع مبالغ كبيرة من المال، يقدرها البعض بما لا يقل عن مئة مليون دولار، من اجل تمويل النشاطات في هذه الانتخابات التمهيدية. أمّا كم هو المبلغ الذي تم جمعه، وأين أنفقت الأموال التي جمعت فهاتان مسألتان تتعلقان بالشأن العام بما انه يُفرض على لجان الحملات الإفصاح عن حساباتها المالية إلى وكالة الانتخابات الفدرالية (FEC).

التمويل العام للحملات

منذ العام 1976، أصبح بإمكان المرشحين لمنصب رئاسة البلاد التأهل للمشاركة في نظام تمويل عام تزود الحكومة الأميركية بموجبه تمويلاً للحملات الانتخابية التي تتأهل لذلك. وبحلول انتخابات العام 2000، كان كافة المرشحين لرئاسة البلاد قد شاركوا في هذا النظام من خلال قبولهم أموالا حكومية مقابل إعطاء وعد بعدم إنفاق اكثر من مبلغ محدد. إلاّ أن هذا النظام فقد جاذبيته بصورة متزايدة لدى المرشحين لان الحد المفروض على الإنفاق اعتبر متدنياً جداً، أي أنه يقل عن المبلغ الذي يستطيع مرشحون رئيسيون في أحيان كثيرة جمعه بسهولة من مصادر خاصة. وكانت النتيجة ان اصبح حاكم ولاية تكساس حينذاك، جورج دبليو بوش، في العام 2000 أول مرشح رئيسي يتنازل عن التمويل الحكومي في الانتخابات التمهيدية. وبعد أربع سنوات، قرر الرئيس بوش الجمهوري والمرشحان الديمقراطيان، السناتور جون كيري والحاكم هوارد دين، عدم تلقي أموال حكومية للانتخابات التمهيدية. في العام 2008، من المتوقع بشكل واسع وللمرة الأولى أن يتخلى المرشحون الديمقراطيون والجمهوريون الرئيسيون جميعهم، باستثناء الديمقراطي جون ادواردز، عن التمويل الحكومي للانتخابات الأولية. كما يبدو مرجحاً أيضاً أن يتجاوز المرشحان المحتملان الديمقراطي والجمهوري لرئاسة البلاد نظام التمويل الحكومي خلال حملة الانتخابات العامة.

كم هو المبلغ الذي سينفق؟

من الصعب التكهن بالمبلغ الذي سوف تنفقه حملات انتخابات العام 2008، ولكن من المأمون إعطاء تكهن واحد سوف تنفق أموال في هذه الانتخابات اكثر مما أُنفق في السابق على أية انتخابات رئاسية. في العام 2004، جمع الرئيس بوش مبلغ 270 مليون دولار للانتخابات التمهيدية وتلقى مبلغ 75 مليون دولار من الأموال الحكومية للانتخابات العامة وتبعه عن قرب السناتور كيري، خصمه النهائي، الذي تمكن من جمع مبلغ 235 مليون دولار للانتخابات الأولية وتلقى نفس مبلغ 75 مليون دولار للانتخابات العامة. وفي العام 2008، ارتفع عدد المرشحين كما ارتفع الحد المسموح به في التبرع (من 2000 دولار إلى 2300 دولار في العام 2004). كما حصلت أيضاً زيادة في عدد الاميركيين الذين يتبرعون للحملات الانتخابية، وتم تسهيل تلك العملية من خلال إتاحة التبرع إلكترونياً بواسطة مواقع مخصصة للحملات على شبكة الإنترنت. بالإضافة إلى إنفاق المرشحين، فإن الأحزاب السياسية، ولجان العمل السياسي وغير ذلك من مجموعات المصالح سوف تقوم بإنفاق الأموال. في العام 2004، قدر مركز السياسة المستجيبة، انه تم إنفاق مبلغ وصل إلى 3.9 مليار دولار من جانب كافة المرشحين الفدراليين، والأحزاب السياسية وغيرهم على الحملات الانتخابية في تلك السنة. وقد شكّل ذلك زيادة نسبتها 30 بالمئة عن نفقات حملة العام 2000، ومن المرجح ان العام 2008 سيشهد زيادة أخرى.

آمال أبو خديجة

المرجع :

POGAR برنامج الأمم المتحده الإنمائي، مشروع إدارة الإنتخابات وكلفتها

www.america.gov